الشيخ السبحاني
272
بحوث في الملل والنحل
الحقيقة بين الشاميين يرأسهم الحجاج ، والعراقيين يقودهم عبد الرحمن . مضى ابن الأشعث إلى جانب الكوفة والحجاج خلف عبد الرحمن إلى أن حصل التقابل بين الجندين في دير الجماجم « 1 » فلمّا حمل أهل الشام على العراقيين ناداهم عبد الرحمن ابن أبي ليلى الفقيه ، فقال : يا معشر القرّاء إنّ الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم ، إنّي سمعت عليّاً رفع اللَّه درجته في الصالحين وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصدّيقين ، يقول يوم التقينا أهل الشام : « أيّها المؤمنون إنّه من رأى عدواناً يعمل به ، ومنكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه ، فقد سلم ، وبرئ ، ومن أنكر بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه ، ومن أنكر بالسيف لتكون كلمة اللَّه العليا وكلمة الظالمين السفلى ، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونوّر قلبه باليقين ، فقاتلوا هؤلاء المحلّين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحقّ فلا يعرفونه وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه . وقال أبو البختري : أيّها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم ، فوالله لئن ظهروا عليكم ليفسدنّ عليكم دينكم وليغلبنّ على دنياكم . وقال الشعبي : يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم فوالله ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعمل بظلم ، ولا أجور منهم في الحكم فليكن بهم البدار . وقال سعيد بن جبير : قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنيّة ويقين وعلى آثامهم ، قاتلوهم على جورهم في الحكم وتجبّرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاح « 2 » .
--> ( 1 ) . دير الجماجم : بظاهر الكوفة على سبعة فراسخ منها على طرف البرّ للسالك إلى البصرة قال أبو عبيدة : الجمجمة : القدح من الخشب وبذلك سمي دير الجماجم لأنّه يعمل فيه الأقداح من الخشب ( معجم البلدان : 2 / 501 ) . ( 2 ) . الطبري : التاريخ : 5 / 145 - 163 .